الشيخ السبحاني

25

مفاهيم القرآن

( 2 ) ثقافة قومه وحضارة بيئته إنّ الإنسان مهما بلغ من الكمال لا يستطيع أن يجرّد نفسه وفكره ، ومنهجه الإصلاحي عن معطيات بيئته ، فهو يتأثّر عن لاشعور بثقافة قومه ، وحضارة موطنه ، ولكن إذا راجعنا تفكير إنسان وشخصيته فوجدناها منقطعة عن تأثيرات الظروف التي نشأ فيها ، ومباينة لمقتضياتها ، بل كانت على النقيض منها ، فتكشف أنّ لما جاء به من التشريع والتقنين ولما قدّمه إلى امّته من مبادئ الإصلاح خلفيّة سماويّة غير خاضعة لثقافة قومه ، وتقاليد قبيلته . وهذا نجده في ما حمله رسول الإسلام إلى قومه وإلى البشرية جمعاء من عقائد وأخلاق وتشريعات . وللوقوف على هذه الحقيقة نقدّم عرضاً خاطفاً عن حياة العرب في عصره قبل ميلاده وبعده ، ومن المعلوم أنّ الإسهاب في ذلك يتوقّف على الغور في التاريخ والسيرة وهو خارج عن هدفنا ، بل نقدّم موجزاً ممّا يذكره القرآن عن حياتهم المنحطّة البعيدة عن الحضارة ، وستقف أيّها القارئ الكريم من خلال ذلك على أنّ الذي جاء به رسول الإسلام الكريم ، من عقائد وأخلاق وسنن ، تضاد مقتضيات ظروفه ، فهو بدل أن يؤكّد تفكير قومه وطقوس قبيلته وتقاليد وسطه الذي كان يعيش فيه ، بدأ يكافحها ويفنّدها بالأسلوب المنطقي . لقدنشأ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بين قومه وقد كانوا منقطعين عن الأنبياء وبرامجهم حيث لم يبعث فيهم نبيّ ، قال سبحانه في هذا الصدد :